الفرق بين يشرب منها ويشرب بها
 

الصفحة الرئيسة

من نحن

جديدنا

مساهمات الأصدقاء

انشر بحثك

اتصل بنا

 
تم بعونه تعالى افتتاح موقع أسرار  الإعجاز  البياني للقرآن الكريم بإشراف الباحث اللغوي محمد إسماعيل عتوك - ساهموا معنا في نطوير الموقع ونشره بارك لله فيكم
 

الفرق بين يشرب منها ويشرب بها

قال تعالى:﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾(الإنسان:5- 6) ، فأخبر سبحانه عن الأبرار أنهم يشربون من كأس ممزوجة بالكافور ؛ لبرده وعذوبته وطيب عرفه . وجيء بـ( كان ) في جملة الصفة لإِفادة أن ذلك الكافور هو مزاج الخمر ، لا يفارقها أبدًا . ثم أبدل تعالى منه قوله :﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ﴾ ، فدل بذلك على أن هذا الكافور تجري به عين في الجنة ، من زيته ، وهو شرابه المستَخرَج من شجره . ومعنى كونه عينًا : أن شرابه المستخرج منه كثير كماء العين .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا قال تعالى في الآية الأولى: ﴿ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ ﴾ ، فذكر الأداة ( من ) ، وقال في الآية الثانية :﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا ، فذكر ( الباء ) ؟ وهل من فرق بينهما ؟ والجواب عن ذلك :

أولاً- أن الأصل في فعل الشرب أن يُعَدَّى إلى المفعول بنفسه ؛ كقولك : شربت الماء ، وشربت الحليب . وكثيرًا ما يحذف ذلك المفعول للعلم به ؛ كما في قوله تعالى :﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ (الواقعة:68) . أي : الماء الذي تشربونه ، وقوله تعالى:﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي (البقرة:249) . أي : فمن شرب الماء من النهَر .

ولما كان لفظ ( الكأس ) في اللغة يطلق تارة على الإناء الذي فيه الماء ، ويطلق تارة أخرى على الماء الذي في الكأس ، حسُن تعدِّي فعل الشرب إليه بنفسه ؛ كقولك: شرب كأسًا . والمراد : ماء ؛ لأن مفهوم الكأس يتقوَّم بما في الإِناء من الماء .

وحملوا على هذين القولين قوله تعالى :﴿ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ ﴾ ، فقالوا : يجوز أن يراد بالكأس : آنية الخمر ، فتكون ( مِنْ ) لابتداء الغاية . ويجوز أن يراد بها : الخمر ، فتكون ( مِنْ ) للتبعيض . والقول الأول أفصح ، وأبين ؛ لأن ( يشرب ) لا يُعَدَّى إلى المفعول بـ( من ) ، خلافًا لمن زعم ذلك . وعليه يكون المعنى : يشربون الخمر من كأس ممزوجة بالكافور . و( من ) لابتداء الغاية . أي : إن الكأس هي مبدأ شربهم ، وأول غايته .

ثانيًا- وأما قوله تعالى :﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ﴾ فالمراد به : أنهم يمزجون شرابهم بها ؛ فكأن المعنى: يشرب عباد الله بها الخمر . أي : يشربونه ممزوجًا بمائها ؛ كما تقول : شربت الماء بالعسل . ولإفادة هذا المعنى جيء بهذه ( الباء ) التي هي باء الإلصاق . وأما قول من قال : إن ( الباء ) زائدة ، أو هي بمعنى :( من ) ، أو هي للتعدية ، وأن ( يشرب ) مُضَمَّن معنى :( يرتوي ) ، أو ( يتلذَّذ ) ، وأن هذا من روائع الإِيجار في القرآن ؛ لأن جملة واحدة أغنت عن جملتين ، فليس بشيء ؛ لأن ذلك كله مجرَّد أقوال متكلَّفة ، لا تقوم على دليل ، فضلاً عن أنها خروج بالآية الكريمة عن المعنى المراد منها . والله تعالى أعلم !

بقلم : محمد إسماعيل عتوك <


           
          

تعليقات الزوار

الاسم:
التعليق:
بواسطة صفاء عقيل بتاريخ 2012/04/01

راقي جدا

بواسطة د. رزان يحيى خدام بتاريخ 2012/05/03

سبحان من قال فأدهش العقول ، وحيّر الأفهام ، فعلم العبد أنه عبد . شكرا لك .