سبع سنابل وسبع سنبلات
 

الصفحة الرئيسة

من نحن

جديدنا

مساهمات الأصدقاء

انشر بحثك

اتصل بنا

 
تم بعونه تعالى افتتاح موقع أسرار  الإعجاز  البياني للقرآن الكريم بإشراف الباحث اللغوي محمد إسماعيل عتوك - ساهموا معنا في نطوير الموقع ونشره بارك لله فيكم
 

سبع سنابل وسبع سنبلات

قال الله عز وجل :﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ ﴾(البقرة:261) ، فأتى بتمييز العدد ( سبع ) على ( سَنَابِلَ ) ، وهو جمع كثرة ، وكان من حقه أن يؤتى به على ( سُنْبُلاتٍ ) ؛ ليطابق العدد معدوده ، كما في قوله تعالى :﴿ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾(يوسف:43‏) .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لم عدل عن ( سُنْبُلاتٍ ) في آية يوسف إلى ( سَنَابِلَ ) في آية البقرة ؟ والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه :

الوجه الأول : أن المقام في آية البقرة مقام تكثير وتضعيف ، فناسب ذلك جمع الكثرة . أما آية يوسف فلا مقتضًى فيها للتكثير والتضعيف ، فأتى بجمع القلَّة ؛ ليطابق اللفظ المعنى . وهذا الوجه نقله الزركشي في البرهان عن بعضهم . وبنحو هذا الجواب أجاب البقاعي في نظم الدرِّ عند تفسير قوله تعالى :﴿ وَسَبْعُ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ﴾ ، فقال :« ولما كان تأويل المنام : الجدب والقحط والشدة ، أضاف العدد إلى جمع القلة ، بخلاف ما كان في سياق المضاعفة في قوله :﴿ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ ، فقال :﴿ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ﴾ » .

والوجه الثاني : قيل : إن جمع السلامة ، بالواو والنون ، أو بالألف والتاء ، لا يميَّز به من ( ثلاثة ) إلى ( عشرة ) ؛ إلا في موضعين :

أحدهما : ألا يكون لذلك المفرد جمع سواه ؛ كقوله تعالى :﴿ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾(الطلاق:12) ، فجاء بجمع ( سماء ) على ( سموات ) ؛ لأنه ليس لها سوى هذا الجمع . وكذلك ﴿ سَبْعَ بَقَرَاتٍ ﴾(يوسف:43) ، و﴿ تِسْعَ آيَاتٍ ﴾(الإسراء:101) ، و﴿ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ ﴾(البقرة:157) ؛ لأن ( بقرة ) ، و( آية ) ، و( صلاة ) ليس لها سوى هذا الجمع ، ولم تجمع على غيره .

والثاني : أن يكون مجاورًا لما أهمل فيه هذا الجمع ، وإن كان المجاور لم يهمل فيه هذا الجمع ، فيعدل إليه لمجاورة غيره ؛ فقوله تعالى :﴿ وَسَبْعُ سُنْبُلاتٍ ﴾(يوسف:46) ، لمَّا عُطِفَ على :﴿ سَبْعَ بَقَرَاتٍ ﴾(يوسف:46) وجاوره ، حَسُن فيه الجمع بالألف والتاء . ولو كان لم يُعْطَفْ ولم يجاور ، لكان :﴿ وسَبْعُ سَنَابِلَ ﴾ كما في آية البقرة ؛ ولذلك إذا عرِّيَ الجمع عن المجاور ، جاء على صيغة جمع التكسير في الأكثر والأوْلى ، وإن كان يجمع جمع سلامة ، ومثال ذلك قوله تعالى :﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ ﴾(الحاقة:7) ، وقوله :﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ ﴾(المؤمنون:17) . لم يقل :( سبع ليلات ) ، ولا ( سبع طريقات ) ، وإن كان ذلك جائزًا في جمع : ( ليلة ) ، و( طريقة ) .

ويتحصَّل من ذلك : أن قوله تعالى :﴿ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ جاء على ما تقرر في العربية ، من كونه جمعًا متناهيًا ، وأن قوله :﴿ وَسَبْعُ سُنْبُلاتٍ ﴾ ؛ إنما جاز لأجل مشاكلة ﴿ سَبْعَ بَقَرَاتٍ ﴾ قبله ومجاورته له . وهذا حاصل جواب أبي حيان في البحر المحيط ، وهو الصواب ، إن شاء الله ؛ لأن الجواب الأول ، لو صح حمل آية البقرة وآية يوسف عليه ، فإنه لا يصح حمل غيرهما من الآيات عليه ؛ كقوله تعالى :﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ ﴾(الحاقة:7) ، وقوله :﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ ﴾(المؤمنون:17) .. والله تعالى أعلم !

الوجه الثالث : أن ( جمع القلة ) نوعان : جمع تكسير ، وجمع سالم :

أما جمع التكسير فذكر اللغويون له أربعة أوزان :( فِعْلَة ، أفْعَال ، أفعُل ، أفْعِلَة ) . وأما الجمع السالم فما كان بالألف والتاء ، والواو والنون ، أو الياء والنون .

ويشترط في دلالة هذه الجموع على القلة أن تأتي بصيغة التنكير ، ما لم يقترن بها ما يبيِّن أن المراد بها الكثرة ؛ كأن تستعمل في السياق معرَّفة بالألف واللام غير العهدية ، أو معرَّفة بالإضافة ، فحينئذ تدل على الكثرة ؛ كما تدل عليه جموع الكثرة .

مثال الجمع السالم الذي يدل على القلة قولك : مسلمون ومسلمات . فإذا قلت : المسلمون والمسلمات ، دل كل منهما على الكثرة . وهذا ما أشار إليه ابن جني ، واحتج له بقوله تعالى :﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾(الأحزاب:35) ، فالغرض في جميع ذلك الكثرة ، لا القلة .

ومثال جمع التكسير الذي يدل على القلة قولك : أصحاب ، وأبرار . فإذا أردت الكثرة قلت : الأصحاب ، والأبرار ؛ كما قال تعالى :﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (الانفطار:13) . والأبرار جمع ( بَرٍّ ) ، أو ( بارٍّ ) ؛ كـ( رب وأرباب ) ، و( صاحب وأصحاب ) ، وهم هنا : الأنبياء الصالحون ، وقيل : هم : الطائعون لله . وقيل : هم الذين بروا الآباء والأبناء . وعلى الأقوال كلها هم كثرة لا قلة ، خلافًا لمن زعم غير ذلك .

وقد نصَّ أبو حيان في البحر المحيط على أنه لا فرق في الدَّلالة بين ( النبيين ) في قوله تعالى :﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (البقرة:61) ، وهو جمع سالم ، وبين ( الأنبياء ) في قوله تعالى :﴿ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ (آل عمران:112) وهو جمع تكسير ؛  لأنَّ الجمعين – كما قال - إذا دخلت عليهما الألف واللام تساويا ، بخلاف حالهما ، إذا كانا نكرتين ؛ لأن جمع السَّلامة ؛ إذ ذاك ظاهر في القلَّة ، وجمع التْكسير على أفعلاء ظاهر في الكثرة . وهذا ما قرَّره أبو حيَّان أيضًا عند تفسير قوله تعالى :﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ (لقمان:27) ردًّا على الزمخشري الذي ذهب إلى أن ( كلمات ) جمع قلة ، فقال :« وعلى تسليم أن ( كلمات ) جمع قلة ، فجموع القلة ، إذا تعرفت بالألف واللام غير العهدية أو أضيفت ، عمَّت وصارت لا تخص القليل ، والعام مستغرق لجميع الأفراد » .. والله تعالى أعلم !

بقلم : محمد إسماعيل عتوك


           
          

تعليقات الزوار

الاسم:
التعليق: