مثل الجنة التي وعد المتقون (1)
 

الصفحة الرئيسة

من نحن

جديدنا

مساهمات الأصدقاء

انشر بحثك

اتصل بنا

 
تم بعونه تعالى افتتاح موقع أسرار  الإعجاز  البياني للقرآن الكريم بإشراف الباحث اللغوي محمد إسماعيل عتوك - ساهموا معنا في نطوير الموقع ونشره بارك لله فيكم
 

مثل الجنة التي وعد المتقون (1)

قال الله عز وجل :﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (الرعد:35) .

أولاً - هذه الآية الكريمة هي إحدى آيتين سيقتا في تمثيل الجنة التي وعد بها المتقون ، ومناسبتها لما قبلها : أن الله تعالى  لمّا بين حال فريقي المؤمنين والمشركين في الاهتداء والضلال ، قال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك :﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (الرعد:34) ، فبيَّن سبحانه أن عذاب الآخرة أشق بكثير من عذاب الدنيا ؛ لأن هذا له انقضاء ، وذاك دائم أبدًا في دار هي بالنسبة إلى الدنيا أضعاف مضاعفة ، ثم بيَّن عقب ذلك ما أعد لكل واحد من الفريقين من الثواب والعقاب ، فقال سبحانه :﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (الرعد:35) .

فهذه الجنة التي وصفت بما وصفت بجريان الأنهار من تحتها وبدوام أكلها وظلها ، وذلك العذاب الذي وصف بأنه أشق من عذاب الدنيا ، هما النهاية الطبيعية لهؤلاء المؤمنين المتقين ، وأولئك الكفرة المشركين .

ثانيًا -  وجمهور العلماء على القول بأن قوله تعالى :﴿ مَثَلَ الْجَنَّةِ ﴾ مغناه : صفة الجنة ، وأنه ليس بضرب مثلها ؛ لأن الجنة لا مَثَل لها عندهم . وأنكر أبو علي الفارسي أن يكون المثل بمعنى : الصفة ، وقال : إن تفسير المثل بالصفة غير مستقيم لغة ، ولم يوجد فيها ؛ وإنما معناه : الشبه .

وتفسير المثل هنا بمعنى الصفة هو - على قول الزركشي - ظاهر كلام أهل اللغة ، وأكثر المتأخرين على تفسيره بالصفة الغريبة ، وهذا ما أشار إليه الألوسي بقوله :« مثل الجنة : نعتها وصفتها ؛ كما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة » ، ثم قال :« وأكثرهم على تفسيره بالصفة الغريبة » . وارتفاعه على الابتداء ، والخبر محذوف على مذهب سيبويه والجمهور . أي : فيما قصصناه عليكم مثل الجنة ، وجملة ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ تفسير لذلك المثل . وقال غيره : الخبر جملة ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ ، على طريقة قولك : صفة زيد يأتيه الناس ويعظمونه . واعترض على هذا بأنه غير مستقيم معنى ؛ لأنه يقتضي أن الأنهار تجري من تحت صفة الجنة ، وهي تجري من تحتها لا من تحت  صفتها .

وعن الزجاج أن الخبر محذوف ، وجملة ( تجري من تحتها الأنهار ) صفة له ، والتقدير : مثل الجنة ( جنة ) تجري من تحتها الأنهار ، فتكون الآية على هذا ضرب مثل لجنة الآخرة بجنة الدنيا ، ويكون سبحانه بذلك قد عرَّفنا الجنة التي لم نرها بما شاهدناه من جنة الدنيا وعايناه .

وحكى القرطبي قول الزجاج السابق ، ثم قال :« وأنكره أبو علي ، فقال : لا يخلو ( المثل ) على قوله أن يكون : الصفة ، أو : الشَّبه . وفي كلا الوجهين لا يصح ما قاله ؛ لأنه إذا كان بمعنى الصفة ، لم يصح ؛ لأنك إذا قلت : صفة الجنة جنة ، فجعلت الجنة خبرًا ، لم يستقم ذلك ؛ لأن الجنة لا تكون الصفة ، وكذلك أيضًا : شبه الجنة جنة . ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين ، وهو حدث ، والجنة غير حدث ، فلا يكون الأول الثاني » .

وذهب المبرد إلى أن التقدير في الآية :( فيما يتلى عليكم مثل الجنة ) ، ثم قال :( فيها وفيها ) ، فقدر الخبر محذوفًا مقدمًا على المبتدأ موافقًا في ذلك سيبويه ، ومخالفًا له في كون ( المَثَل ) بمعنى : الصفة ، يبين ذلك قوله : عقب قوله السابق :« ومن قال : إنما معناه : صفة الجنة ، فقد أخطأ ؛ لأن ( مَثَل ) لا يوضع في موضع ( صفة ) ؛ إنما يقال : ( صفة زيد أنه ظريف ، وأنه عاقل ) ، ويقال :( مثل زيد مثل فلان ) ؛ وإنما ( المَثَل ) مأخوذ من المثال والحذو ، و( الصفة ) تحلية ونعت » .

وقال الدكتور محمد جابر الفياض في كتابه ( الأمثال في القرآن الكريم ) تعقيبًا على ما ذكره من أقوال في هذه الآية التي اضطربت الأقوال واختلفت الآراء في تأويلها :« والظاهر أن ما ذهب إليه الزجاج هو أقرب لمفهوم المثل في اللغة والقرآن الكريم ممَّا ذهب إليه غيره » ، ثم ذكر أن ما اعترض به الفارسي على الزجاج لا يقدح في صحته ؛ لأن الزجاج لم يرد بالمثل : الصفة ، أو : الشبه ؛ وإنما أراد به :( المثال ) ، وهذا ما يفهم من قوله الذي نقله عنه المفسرون ، ويؤيده ما ذهب إليه المبرد من أن ( المثل ) مأخوذ من المثال والحذو .

ثالثًا - وتعقيبًا على ما تقدم أقول : ظاهر قوله تعالى :﴿ مَثَلَ الْجَنَّةِ ﴾ يقتضي أن يكون للجنة مَثَلٌ . ومثلها هو المطابق لها في تمام صفاتها ، وهو ما أخبر به عنها هنا بقوله :﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ﴾ ، خلافًا لما ذهب إليه جمهور المفسرين من القول بأنه ليس للجنة مثل ، وخلافًا للزجاج الذي ذهب إلى أن الآية هي تمثيل لجنة الآخرة بجنة الدنيا . ويبين لك ذلك :

أن المثل لفظ يطلق على الشيءُ يُضرَبُ مثلاً لشيء آخر ، فيُجْعَل مِثْلَه ، أحدهما أصل ، والثاني فرع يقاس على الأصل للاعتبار به ؛ كقولك : مثل هذا كمثل هذا ، وقولك : مثل هذا كهذا ، وقولك : هذا كمثل هذا ؛ فمن الأول قوله تعالى :﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾(البقرة:17) ، ومن الثاني قوله تعالى :﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾(النور:35 ) ، ومن الثالث قوله تعالى :﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ (الحديد:20) .

وقد يطلق المَثَلُ على الخير أو الحديث نفسه ؛ كقوله تعالى :﴿ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوراةِ ﴾(الفتح:29) مشيرًا إلى ما أخبر عنه بقوله تعالى  :﴿ مُحَمّدٌ رَسُولُ الله وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ على الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكّعًا سُجّدًا يَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللهِ وَرِضوانًا سيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود (الفتح:29) ، فهذا الخبر الذي أخبر به عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في القرآن صار مثلاً لهم في التوراة . أي : ذلك الخبر الذي تضمن صفاتهم هو مثلهم في التوراة . قال الخليل :« وكذلك قوله تعالى :﴿ َيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ ، ثم أخبر :﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوْا ذُبَابًا (الحج:73) ، فصار خبره عن ذلك مثلاً » .

وأضاف الخليل قائلاً :« ولم تكن هذه الكلماتُ ونحوُها مَثَلاً ضُرِبَ لشيءٍ آخر ؛ كقوله تعالى :﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ ﴾(الجمعة:5) ، و ﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ﴾ (الأعراف:176) » ؛ ولهذا أشكل هذا المثل على الكثيرين ، حتى اعترض بعضهم ، فقال : أين المثل المضروب ؟

ومثل ذلك قوله تعالى :﴿ مَثَلَ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ ، ثم أخبر بقوله  :﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ ، فصار هذا الخبر مثلاً للجنة . وقرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما :﴿ مَِثَالُ الجََّنَّةِ ، ومثال الشيء - في الأصل - نظيره الذي يقابل به . وعن علي أيضًا ، وابن عباس ، وابن مسعود ، والسلمي :﴿ أَمِْثَالُ الجََّنَّةِ ، وليست هذه القراءة دليلاً على أن المثل معناه : الصفة ، كما ذهب إلى ذلك بعضهم ؛ وإنما هي دليل كما قال ابن جني - على أن قراءة العامة بالتوحيد معناها الكثرة ، لما في ( مَثَل ) من معنى المصدرية . وكذلك قراءة :﴿ مَِثَالُ الجََّنَّةِ ليست دليلاً على أن المثل معناه : المثال ، أو أنه مأخوذ منه ؛ لأن كليهما من قولك : مثلت الشيء تمثيلاً . وتمثيل الشيء إما أن يكون بمثال ينصب ، أو يكون بمثل يضرب ، وبيان ذلك من وجهين :

الوجه الأول : أن ( مِثال ) يجمَع على : مُثُل ، وأمثلة ، ومنه أمثلة الأفعال والأسماء في باب التصريف ؛ كقول سيبويه في تعريف الفعل :« وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء ، وبنيت لما مضى ، ولما يكون ولم يقع ، وما هو كائن لم ينقطع » . وعليه يقال : فأما ما بني لما مضى فمثاله : ذهب وسمع . وأما ما بني لما لم يقع فمثاله قولك آمرًا : اذهب واقتل واضرب ، ومخبرًا : يذهب و يقتل ويضرب ويقتل ويضرب ، وكذلك مثال ما بني لما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت . ولا يقال في ذلك ونحوه : مثله كذا وكذا ؛ لأن ( مَثَل ) يجمع على : أمثال ؛ كقوله تعالى :﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ (إبراهيم: 45) ، بدليل قوله تعالى :﴿ ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ (الروم:28) ، والفرق واضح بين أن يقال : مثال الفعل : ذهب وسمع ، وأن يقال : مَثَلُ الفعل فعلٌ .

والوجه الثاني : أن ( المَثَل والمِثال ) من قولك : مثَّلت له الشيء بالشيء ؛ إذا قدَّرت الثاني على قدْر الأول ؛ فإن كان ذلك بطريق الكتابة فهو ( مَثَل ) ، وإن كان بطريق غير الكتابة ؛ كالنحت أو الرسم أو التصوير فهو ( مِثال ) ؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم :« رأيت الجنة والنار ممثلتين في قبلة الجدار »

أي : مصورتين . وفي حديث أنس :« لقد عرضت علي الجنة والنار في عرض هذا الحائط وأنا أصلي » . وفي رواية أخرى :« لقد صورت » . ولمسلم :« لقد مثلت » . أي : صوِّرت له صلى الله عليه وسلم الجنة والنار في عرض الحائط ، كما تنطبع الصورة في المرآة ، فرأى جميع ما فيها . وكذلك مُثِّل له صلى الله عليه وسلم بيت المقدس حين كذَّبه الكفار بالإسراء ، فنظر إليه وجعل يخبرهم عنه . فتصوير الجنة وبيت المقدس للرسول صلى الله عليه وسلم هو مِثال ، وليس بمَثَل ، وعلى ذلك تحمل قراءة من قرأ : ( مثال الجنة ) .

ومهما يكن من شيء ، فـ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ليس هو جنة الآخرة ذاتها ، وليس هو مجرَّدَ وصفٍ لها ؛ وإنما هو وصف لها ؛ وإلا لقيل : ( الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ) بإسقاط لفظ ( مثل ) ؛ وإنما هو تمثيل لها عن طريق الإخبار عنها تمثيلاً يقربها للأفهام والأذهان ، ويجعلها ماثلة شاخصة أمام العيون .  

رابعًا - وفي قوله تعالى :﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا إعلام – كما قال الفخر الرازي - بأن مَجامعَ اللذة كلها في المسكن والمطعم والراحة والأمان . أما المسكن فقد أشير إليه بقوله تعالى :﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ . وأما المطعم فقد أشير إليه بقوله تعالى :﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ . وأما الراحة والأمان فقد كُنِّيَ عنهما بقوله تعالى :﴿ وَظِلُّهَا .

ومعنى جريان الأنهار من تحتها : أنها تجري من تحت أشجارها وغرفها ومنازلها وقصورها مباشرة ؛ وكأن هذه الجنة مستقرَّة فوق مياه تلك الأنهار . ولإفادة هذا المعنى قال تعالى :﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ، ولم يقل :( تجري تحتها ) ، فجاء بالأداة ( مِنْ ) التي تدل على ابتداء الغاية . أي : جريان الأنهار يبدأ من هذه الجهة التي هي تحت الجنات مباشرة . وفي التعبير بصيغة المضارع ( تجري ) دلالة على استمرار جريان هذه الأنهار دون انقطاع .

وما أُوجِزَ هنا جاء مفصلاً في نحو قوله تعالى :﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾(الزمر:20) ، وقوله تعالى :﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾(العنكبوت:58) . وهذا ما يجعل مسكن هذه الجنات طيِّبًا ، ومطعمها لذيذًا ، وعيشها رَغَدًا .

ونحو ذلك ما ورد على لسان فرعون من قوله  :﴿ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الزخرف:51) ، فقال :( تجري من تحتي ) ، وهو يريد : تجري من تحت قصوره ، كما تجري من تحت غرف الجنة .

وفي قوله تعالى :﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تأكيد على صفة الدوام ، فليس هناك ما يقلق الإنسان من فناء وزوال . أي : وظلها كذلك . ومعنى دوامهما : أنهما لا ينقطعان ، ولا يزولان أبدًا . وفيه بيانٌ لفضل هذه الجنات ، وتمييزها عن جنات الدنيا ، وهو مشهد تطمئن له النفس وتستريح ؛ وذلك في مقابل المشقة والعذاب في النار .

وقال تعالى :﴿ أُكُلُهَا ﴾ ، ولم يقل :( ثمرها  ) ؛ لأن ( الأكُلُ ) أخصُّ من الثمر ، فيطلق على كل ما يؤكل من الثمر وغير الثمر . وأما ( الثمر ) فيطلق على ما يؤكل ، وما لا يؤكل . وقال :﴿ وَظِلُّهَا ، ولم يقل : ( وفيؤها ) ؛ لأن الظل أعم من القيء . يقال : ظلُّ الليل ، ولا يقال : فيؤه . ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس : ظِلٌّ ، ولا يقال الفيْءُ إلا لِمَا زالت عنه الشمس . وقيل : الظل ما نسخته الشمسُ ، والفيء ما نسخ الشمسَ . وقيل : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل , وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل ، ويعبر به عن العزة والمنعة وعن الرفاهة ، بخلاف الفيء .

وفي قوله تعالى :﴿ وَظِلُّهَا إيجاز بالحذف بليغ ، فقد حذف الخبر لدلالة ما قبله عليه ، وتقديره : وظلها كذلك . أي : دائم ، وحذفه أبلغ من ذكره ؛ بل ذكره ربما يفسد العبارة ؛ لأن المعنى مكتمل بدونه . ومعنى دوامه : أنه لا يول كما يزول في الدنيا بالشمس ؛ إذ لا شمس هناك ولا قمر ، ولا ليل ولا نهار .

ومن نعم الله عز وجل على عباده أن مدَّ لهم الظل في الدنيا ، وجعله متحركًا ، ولم يجعله ثابتًا مستقرًّا ؛ كظل الجنة ، فقال تعالى :﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴾(الفرقان:45) . و﴿ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ : بسطه ، بعد أن كان منقبضًا ؛ ومنه قولهم : مدَّ الحبل ، ومدَّ يده . ويطلق المدُّ ، ويراد به الزيادة في الشيء ، وهو استعارة شائعة ، وهو هنا الزيادة في مقدار الظل . والمعنى : ولو شاء ربك ، لجعل الظل ثابتًا مستقرًّا على تلك الحالة أبدًا . وفي ذلك تذكير للعباد بأن في جعل الظل متحركًا غير ثابت مِنَّة من الله تعالى عليهم ، تستوجب الحمد والشكر .

خامسًا- وكثيرًا ما يقرن الله عز وجل بين صفة الجنة وصفة النار ؛ ليرغب في الجنة ، ويحذر من النار ؛ ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر ، قال :﴿ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ . أي : تلك الجنة التي مثلت بما مثِّلت به هي مآل المتقين الذين استقاموا على الطريق الحق ، واجتنبوا الشرك ، وهي منتهى أمرهم . أما مآل الكافرين الذين أشركوا ، ومنتهى أمرهم فهو نار جهنم خالدين فيها أبدًا ، وبئس القرار .

وحاصل الكلام : أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب ، موصوفة بصفة الدوام ، وأن ثواب الكافرين مضارٌّ يشوبها التكدير ؛ فهؤلاء مآلهم ومنتهى أمرهم الخلود في النار لا غير ، وأولئك مآلهم ومنتهى أمرهم الخلود في الجنة لا غير ، كما يُؤذِن به تعريف الخبر في الجملتين ، وفي ترتيب النظم البديع على هذا النحو إطماع للمتقين ، وإقناط للكافرين !

وقيل : العُقْبَى ، وكذلك : العُقْبُ والعاقبة ، حالات تتلو حالات أخرى قبلها ، وهي من قولهم : عقَب فلان فلانًا ، إذا تلاه عَقْبًا . وقيل : العُقْبَى ، والعُقْبُ يختصان بالثواب ؛ كما في قوله تعالى:﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (الرعد:22) ، وقوله تعالى :﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً (الكهف:44) . أما العاقبة فإطلاقها دون قيد يختصُّ بالثواب ؛ نحو قوله تعالى :﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (الأعراف:128) . وقد تستعمل في العقوبة مقيدة بالإضافة ؛ نحو قوله تعالى :﴿ وَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ﴾(آل عمران137) ، وقوله تعالى :﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون (الروم:10) .. نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن لهم عقبى الدار ، والحمد لله رب العالمين !

بقلم : محمد إسماعيل عتوك


           
          

تعليقات الزوار

الاسم:
التعليق:
بواسطة رامي بتاريخ 2011/12/13

بسم الله الرحمن الرحيم إن من أسرار الجنه التى وعد الله المتقين والذين يعملون الصالحات لعباده ، ولكن لماذا نرجو من الله أن يغفر الله ذنوبنا ؟ هل من المعاصي التى يرتكبها الإنسان في الدنيا ، أم للفوز بالجنه ، الله يغفر لمن يشاء ، وهو يعلم ما الذي ارتكبه من المعاصي ؟ أسئلتك يا أخي غير واضحة !!!