مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
 

الصفحة الرئيسة

من نحن

جديدنا

مساهمات الأصدقاء

انشر بحثك

اتصل بنا

 
تم بعونه تعالى افتتاح موقع أسرار  الإعجاز  البياني للقرآن الكريم بإشراف الباحث اللغوي محمد إسماعيل عتوك - ساهموا معنا في نطوير الموقع ونشره بارك لله فيكم
 

مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

ورد على لسان المؤمن في سورة الكهف قوله لصاحبه الكافر ناصحًا وموبِّخًا :﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (الكهف:38) ، فأمره أن يقول :﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ .

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ما المراد من قوله :﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ؟ وما معنى قوله :﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ؟ وفي الإجابة عن ذلك أقول بعون الله وتعليمه :

أولاً- فأما قوله :﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ فهو تحضيض لصاحبه الكافر على أن يقول :﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، وتوبيخ له على ترك هذا القول . فـ( لولا ) هنا هي التحضيضية ، لا الشرطية ، وهي بمنزلة ( هلا ) ، ودخولها على الفعل الماضي يفيد معنى التوبيخ . وقوله :( إذْ دَخلْتَ جنَّتك ) ظرف منصوب بـ( قُلْتَ ) قدِّم عليه ؛ للإيذان بتحتُّم القول في وقت دخولِ الجنَّة من غير ريث . ومعنى الكلام : هلا قلت حين دخلتَ جنتك :﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . أي : كان الشأن أن تقول :﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ بدلاً من قولك السابق حين دخلت جنَّتك :﴿ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً (الكهف:35-36) ، فأمره موبخًا له أن يقول هذين القولين : ( ما شاء الله ) و ( لا فوه إلا بالله ) .

وقال :﴿ دَخلْتَ جنَّتك ﴾ ، فعدَّى الفعل ( دخل ) إلى الجنة ، والمعروف في اللغة والنحو  أن ( دخل ) يستعمل لازمًا تارة ، ومتعديًا تارة أخرى . ومتعديًا ولازمًا تارة ثالثة . أما كونه لازمًا فلأن مصدره : دخولٌ ، على وزن : فعول ، وهو غالب في الأفعال اللازمة ؛ ولأن نظيره ( عَبَر ) ، ونقيضه ( خرج ) ، وكلاهما لازم . ويتعين كونه لازمًا ، إذا كان المدخول فيه مكانًا غير مختص ؛ كما في قوله تعالى آمرًا :﴿ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ ﴾(الأعراف:38) .  فإذا كان المدخول فيه مكانًا مختصًّا ، فإما أن يكون ذلك المكان متسعًا جدًّا بحيث يكون كالبلد العظيم ، أو يكون ضيِّقًا جدًّا بحيث يكون الدخول فيه ولوجًا وتقحمًا ، أو يكون وسطًا بينهما . فإذا كان الأول ، وهو أن يكون المكان متسعًا جدًّا ، لم يكن من نصبه بدٌّ ؛ كقول العرب : دخلت الكوفة والحجاز والعراق . ويقبُح أن يقال : دخلت في الكوفة ، وفي الحجاز ، وفي العراق ؛ ومنه قوله تعالى :﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾(المائدة:21) ، ﴿ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾(النحل:32) ، ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾(الكهف:35) . وإذا كان الثاني ، وهو أن يكون المكان ضيِّقًا جدًّا ، لم يكن من جره بدٌّ ؛ كقولهم : دخلت في البئر . وإذا كان الثالث ، وهو أن يكون المكان وسطًا بين المتسع والضيق ، جاز فيه النصب والجر ، كقولهم : دخلت المسجد ، وفي المسجد . ونصبه أبلغ من جره ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري :« لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ .. » الحديث . وفي صحيح مسلم ورد بلفظ :«  لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ » ، وكذلك هو في سنن ابن ماجة ، فأتى بالفعل ( دخل ) مُعدّى إلى ( الجُحْر ) بنفسه تارة ، وبـ( في ) تارة أخرى . وإنما جاز ذلك ؛ لأن المدخول فيه من الأماكن المختصَّة التي تكون وسطًا بين المتسعة جدًّا ، والضيقة جدًّا . وقد وهم بعضهم حين ظن أن الجُحْر من الأماكن الضيقة ، وهو ليس منها ؛ لأن الدخول فيه لا يكون ولوجًا وتقحُّمًا ؛ كالدخول في البئر ونحوه ، فهو جُحْرٌ أُعِدَّ للإقامة والسكن .  

ثانيًا- وأما قوله :﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فللنحاة والمفسرين في تأويل ( ما ) فيه وجهان :

أحدهما : أن تكون ( ما ) شرطية ، ويكون الجزاء محذوفًا ، والتقدير : ما شاء الله كان . أيْ : أيَّ شيء شاء الله ، كان .

والثاني : أن تكون ( ما ) موصولة موضعها : إما خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : الأمر ما شاء الله . أي : هذه الجنة وما فيها ليست بمشيئتي ؛ ولكنه بمشيئة الله تعالى . أو : مبتدأ محذوف الخبر ، تقديره : ما شاء الله كائنٌ .

وقال ابن عاشور :« و( ما ) من قوله :﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ أحسن ما قالوا فيها : إنها موصولة ، وهي خبر عن مبتدأ محذوف ، يدل عليه ملابسة حال دخول الجنة . أي : هذه الجنة ما شاء الله . أي : الأمر الذي شاء الله إعطاءه إياي . وأضاف قائلاً :« وأحسن منه عندي : أن تكون ( ما ) نكرة موصوفة . والتقدير : هذه شيء شاء الله . أي : لي » .

فعلى قول ابن عاشور يكون في ( ما ) هذه وجه ثالث ، وهو كونها ( نكرة موصوفة ) بمعنى : شيء . وأيًّا ما كان ، فالمراد حضُّ الكافر على الاعتراف بأن جنته وما فيها كائنة بمشيئة الله تعالى ؛ فإن الكائنات كلها مقذوفة بمشيئته المقرونة بحكمته سبحانه وتعالى ، إن شاء أبقاها ، وإن شاء أبادها . ودلالة الجملة على العموم ظاهرة ، ويدخل فيه الجنة وما فيها دخولاً أوليًّا ، ولا يخفى ما في هذا التركيب من معنى التعجب ، ومثله في دلالته على التعجب قول :( سبحان  الله ) ؛ ولهذا قيل : إذا أعجبك أمر ، فقل : ( ما شاء الله ) ! أو ( سبحان الله ) !

وأما قوله :( لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) فمعناه : لا قوة لأحد على فعل أمر إلا بالله تعالى ، وهو تعليل لكون تلك الجنة من مشيئة الله تعالى وفضله . والمراد : هلا قلت ذلك اعترافًا بعجزك ، وإقرارًا منك بأن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها ؛ إنما هو بمعونته تعالى وإقداره جل جلاله . و( لا ) هي النافية للجنس ، و( قُوَّةَ ) نكرة في سياق النفي ، فتعم . والقوة صفة يتمكن بها الفاعل من فعل ما يريد بدون عجز .

وحاصل معنى القولين : هلا قلت عند دخول جنتك والنظر إلى ما رزقك الله منها :﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ ! اعترافًا بأنها وكلَّ خير فيها ؛ إنما حصل بمشيئة الله تعالى وفضله ، وأن أمرها بيده ، إن شاء تركها عامرة ، وإن شاء خرّبها ، وقلت :﴿ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، إقرارًا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها ؛ إنما هو بمعونته وتأييده ؛ إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى .

وعن عروة بن الزبير :« أنه كان يَثْلُم حائطه أيام الرُّطَب فيدخل من شاء ، وكان إذا دخله ، ردَّد هذه الآية حتى يخرج » . ومن هنا قال بعض السلف :« من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده ، فليقل : ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله » ! وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة ، وقد روى فيه حديث مرفوع عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد ، فيقول : ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ، إلا دفع الله تعالى عنه كل آفة حتى تأتيه منيته » ، وقرأ هذه الآية .

 وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« أكثروا من غراس الجنة » . قالوا : يا رسول الله ! وما غراسها ؟ قال :« ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله ».

وأخرج ابن أبي حاتم عن مطرف قال :« كان مالك إذا دخل بيته يقول : ما شاء الله ! قلت لمالك : لم تقول هذا ؟ قال : ألا تسمع الله تعالى يقول :﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ؟ ونقل عن ابن العربي أن مالكًا يستدل بالآية على استحباب ما تضمنته من الذكر لكل من دخل منزله . ويفهم من هذه الروايات وغيرها استحباب قول ذلك عند رؤية ما يعجب مطلقًا ؛ سواء كان له ، أو لغيره ، وإنه إذا قال ذلك لم تصبه عين الإعجاب .. والله تعالى أعلم !

بقلم : محمد إسماعيل عتوك

           
          

تعليقات الزوار

الاسم:
التعليق: