وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا
 

الصفحة الرئيسة

من نحن

جديدنا

مساهمات الأصدقاء

انشر بحثك

اتصل بنا

 
تم بعونه تعالى افتتاح موقع أسرار  الإعجاز  البياني للقرآن الكريم بإشراف الباحث اللغوي محمد إسماعيل عتوك - ساهموا معنا في نطوير الموقع ونشره بارك لله فيكم
 

وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا

قال الله عز وجل مفتتحًا سورة الكهف :﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا(الكهف:1-2) ، فوصف سبحانه الكتاب الذي أنزله على عبده بعد الحمد لله تعالى بصفتين : الأولى : نفي العوج عنه . والثانية : إثبات كونه قيِّمًا .  

وقد تساءل صاحب كتاب ( أكذوبة الإعجاز العلمي في القرآن ) قائلاً :« أي إعجاز في قول القرآن ﴿ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا ، والتركيب الصحيح يجب أن يكون هكذا :( أنزل على عبده الكتاب قيمًا ، ولم يجعل له عوجًا ؟ ) » .

وهذا الذي أجاب به عن تساؤله هو اختيار جمهور المفسرين في تأويل الآية الكريمة ، وهو- على ما قيل- مرويٌّ عن مجاهد وابن عباس ، وهو مبنيٌّ على أن معنى ( قَيِّمًا ) : مستقيمًا ، وعليه يكون حالاً من ( الْكِتَابَ ) ، وتكون جملة : ( وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ) معترضة بينهما ، وفدِّمت للاهتمام . وهذا ما صرَّح به العسكريُّ في قوله :« في الآية تقديم وتأخير ؛ كأنه قال : احمدوا الله على إنزال القرآن قيِّمًا ، لا عوج فيه » ، وغلَّل ذلك بقوله :« ومن عادة البلغاء أن يقدّموا الأهم » . وقال الألوسي : « لما كان ( قَيِّمًا ) يفيد استقامة ذاتية أو ثابتة لكونه صفة مشبهة وصيغة مبالغة ، وما من شيء كذلك إلا وقد يتوهم فيه أدنى عوج ، ذكر قوله تعالى :﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ للاحتراس »

ثانيًا- وفي الإجابة عن ذلك كله أقول بعون الله وتعليمه :

1- ( العِوَج ) عند المحققين من أئمة اللغة هو الانحراف والميل عن الاستقامة ، ويكون في المعاني المعقولة ؛ كالعوج في الدين والعقل ، فإذا كان في الأعيان المحسوسة ، جاء بفتح العين ؛ كالعَوَج في القناة والحائط والعود . وأما قوله تعالى في وصف الأرض بعد نسف الجبال وجعلها قاعًا صفصفًا :﴿ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلَا أَمْتاً(طه:107) بكسر العين ، مع كونها من الأعيان ، فللدلالة على انتقاء ما لا يدرك بحاسة البصر ؛ بل إنما يوقف عليه بوساطة استعمال المقاييس الهندسية . ولما كان ذلك مما لا يشعر به بحاسة البصر ، عدَّ من قبيل ما في المعاني . قال الرازي :« فإن قيل :« الأرض عين ، فكيف صح فيها المكسور العين ؟ قلنا : اختيار هذا اللفظ له موقع بديع في وصف الأرض بالاستواء ونفي الاعوجاج ؛ وذلك لأنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية ، فإذا قابلتها بالمقاييس الهندسية ، وجدت فيها أنواعًا من العوج خارجة عن الحس البصري . ذاك القدر في الاعوجاج لما لطف جدًا ، ألحق بالمعاني ، فقيل فيه : عِوَجٌ ، بالكسر » .

وفي نفي العِوَح عن الكتاب إشارة إلى كون هذا الكتاب كاملاً في ذاته وصفاته ؛ لأن ذلك يعني : أنه مستقيم في ألفاظه ومعانيه ، صادق في أخباره ، عدل في أحكامه ، سالم من جميع العيوب . يدلك على ذلك أن لفظ ( عِوَجًا ) نكرة في سياق النفي ، فهو يعمُّ نفيَ جميع أنواع العوج .

2- أما ( القيِّم ) في اللغة فهو صفة مبالغة في القائم ، على وزن : فَيْعِل ؛ مثل : هيِّن ، وليِّن ، وسيِّد ، وميِّت ، وهو صيغة تدل على قوة ما يصَاغ منه . أي : الشديد القيام ، ويطلَق على دوام تعهد شيء وملازمة صلاحه ؛ لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله ، ويطلق على الرعاية والمراقبة والكفالة بالشيء ؛ لأنه يستلزم القيام والتعهد ، ويطلق على المهيمن والحافظ . والمعاني كلها صالحة للحمل عليها ؛ فإن هذا الكتاب مع عصته عن الخطأ ، متكفل بمصالح العباد ، وشاهد على الكتب السالفة تصحيحًا ونسخًا . وإذا كان كذلك ، فالمراد به أن كماله متعدّ بالنفع إلى غيره .

3- فثبت بما تقدم أن في وصف الكتاب بقوله تعالى :﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ إشارة إلى أن كونه كاملاً في نفسه ، وأن في وصفه بقوله تعالى :﴿ قَيِّمًا ﴾ إشارة إلى كونه مكملاً لغيره ؛ لأن القيِّم هو عبارة عن القائم بمصالح الغير ، خلافًا لمن ذهب إلى أن معنى كونه قَيِّمًا هو عبارة عن انتقاء العوج عنه .

وهذا القول هو اختيار الرازي ، وعقَّب عليه بقوله :« ونظيره قوله في أول سورة البقرة في صفة الكتاب :﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (البقرة:2) ؛ فقوله :﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ إشارة إلى كونه في نفسه بالغًا في الصحة وعدم الإخلال إلى حيث يجب على العاقل ألا يرتاب فيه . وقوله :﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ إشارة إلى كونه سببًا لهداية الخلق ، وإكمال حالهم ؛ فقوله :﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ قائم مقام قوله :﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ ، وقوله :﴿ قَيِّمًا ﴾ قائم مقام قوله :﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ . وهذه أسرار لطيفة » .

وانتهى الرازي من ذلك إلى القول :« قال الواحدي : جميع أهل اللغة والتفسير قالوا : هذا من التقديم والتأخير ، والتقدير : أنزل على عبده الكتاب قيمًا ، ولم يجعل له عوجًا . وأقول قد بينا ما يدل على فساد هذا الكلام ؛ لأنا بينا أن قوله :﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ يدل على كونه كاملاً في ذاته ، وقوله :﴿ قَيِّمًا ﴾ يدل على كونه مكملاً لغيره . وكونه كاملاً في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملاً لغيره ، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو ما ذكره الله تعالى . وأما القول بأن في الآية تقديمًا وتأخيرًا ففاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه » .

وهذا القول رواه أيضًا سعيد عن قتادة . وأما ما روي عن مجاهد ، وابن عباس من أن معنى قَيِّمًا : مستقيمًا ، فهو- على ما قال الرازي- مشكل ؛ لأنه لا معنى لنفي الاعوجاج إلا حصول الاستقامة ، فتفسير القيِّم بالمستقيم يوجب التكرار ، وأنه باطل ، والحق ما ذكرناه .

ويحتج لهذا القول بقوله تعالى في آية أخرى :﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأنعام:161) ، فوصف سبحانه  دين الإسلام أولاً بكونه مستقيمًا ، ثم وصفه بكونه قيِّمًا . وهذا هو الترتيب الصحيح .

ويشهد لذلك أيضًا ما روي عن حفص من أنه كان يسكت على قوله تعالى :﴿ عِوَجًا ﴾ سكتةً خفيفةً ، ثم يقرأ :﴿ قَيِّمًا ﴾ . وجاء في بعض مصاحف الصحابة :﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ؛ ﴿ لَكِنْ جَعَلَهُ قَيَِمًا ﴾ ، ويحمل ذلك على تفسير المعنى ، لا على أنه قراءة .

وذكر الشنقيطي اختلاف علماء العربية في إعراب ( قَيِّمًا ) ، ثم قال :« وأقرب أوجه الإعراب أنه منصوب بمحذوف ، أو حال ثانية من الكتاب » . أقول : كونه حالاً ثانية هو الأقرب إلى الصواب .. والله تعالى أعلم !!

4- بقي أن تعلم أن : ( الْكِتَابُ ) معناه : الكامل الغني عن الوصف بالكمال ، المعروف بذلك من بين سائر الكتب ، الحقيق باختصاص اسم الكتاب به . وفي وصف الله سبحانه بالموصول ( الَّذِي ) إشعار بعلية ما في حيز الصلة ، لاستحقاق الحمد الدال عليه باللام ، وإيذان بعظم شأن التنزيل الجليل . كيف لا ، وهو الهادي إلى الكمال الممكن في جانبي العلم والعمل .

وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد مضافاً إلى ضميره تعالى ( عَلَى عَبْدِهِ ) من الإشارة إلى تعظيمه عليه الصلاة والسلام ، وكذا تعظيم المنزل عليه ما فيه . وفيه أيضًا إشعار بأن شأن الرسول أن يكون عبدًا للمرسل ، لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام . وتأخير المفعول الصريح ( الْكِتَابُ ) عن الجار والمجرور ( عَلَى عَبْدِهِ ) ، مع أن حقه التقديم عليه ؛ ليتصل به قوله تعالى :﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ ، ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ، فتبارك الله القائل في محكم تنزيله :﴿ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ .

ومن قال للمسك أين الشَّذى ** يكذِّبه ريحه الطيب

و﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ .

بقلم : محمد إسماعيل عتوك


           
          

تعليقات الزوار

الاسم:
التعليق:
بواسطة ابو الايهم بتاريخ 2011/12/13

نفع الله بك , وجعله في ميزان حسناتك وفتح لك في البيان فتحا مبينا

بواسطة مصطفى الفخراني بتاريخ 2012/01/07

مشكورين وبارك اللهم جهدكم لكن عندنا أبلغ مما تحومون حوله بين عوجا وقيما ولماذا سبقت عوجا قيما وبإذن الله سيصدر قريبا .